كريم نجيب الأغر
50
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
التحدّي إن من قرأ وتأمّل في تاريخ دعوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - للناس لاحظ أن دعوتهم كانت حافلة بالتحدي ، فعامة الناس لا يؤمنون بالرسل إلا إذا رأوا منهم آيات أو معجزات تدل على صدق نبوتهم . فعلى سبيل المثال : لم يؤمن السحرة بنبوة سيدنا موسى عليه السّلام إلا عندما رأوا العصا تتحول إلى حية ، وإلا حينما عاينوا يده تشع نورا . . . وكذلك قوم سيدنا صالح عليه السّلام لم يؤمنوا إلا عند رؤيتهم الناقة العملاقة تخرج من الحجر . . . وقوم سيدنا عيسى عليه السّلام إلا عند معاينتهم له يحيي الموتى بإذن اللّه ، ويشفي الأكمه والأبرص بإذن اللّه . . . إلخ ما ورد من القصص العديدة المروية في القرآن الكريم ، والعهد القديم والعهد الجديد ، وكتب الرواية وكتب التاريخ البشري . وعندما بعث الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - تحداه قومه كالعادة ، وطالبوه بأن يأتي بالمعجزات وبالآيات التي تدل على اصطفائه صلّى اللّه عليه وسلّم من قبل اللّه عزّ وجل كما حكى عنهم القرآن الكريم : وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ [ طه : 133 ] ، أو كقوله تعالى : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ( 93 ) [ الإسراء : 90 - 93 ] فقبل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هذا التحدي بإذن من رب العالمين ، وتحققت المعجزات وتنوعت على يده ؛ فكان منها : المعجزات الإخبارية كحادثة وصفه لبيت المقدس وهو صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة وذلك في حادثة الإسراء والمعراج ، وحادثة الإخبار بأن الأرضة أكلت الصحيفة التي تعاهد فيها كفار مكة على مقاطعة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبني هاشم ، واستثنائها لأسماء اللّه تعالى التي كتبت عليها . ومن المعجزات أيضا معجزات حسّيّة كنبع الماء من أصابع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكإعادته عين مقاتل إلى مكانها بعد أن اقتلعت ، وككسر كدية عظيمة - أي صخرة صلبة من الأرض لا تعمل فيها الفأس - عجز الصحابة عن كسرها ، بثلاث ضربات حتى عادت كالكثيب - أي كالرمل المتجمع - ، وكالبركة في الطعام حتى إن الطعام